الجمعة، 30 ديسمبر 2016

مافيا الدواء في مصر

بقلم: أحمد أبو المعاطي
نقيب صحفيين الاسماعيلية و القيادي الناصري


أسوأ ما في أزمة الدواء التي تعاني منها مصر الآن، أنها حولت بعض الصيادلة، وأقول بعض حتى لا يغضب كثير من الصيادلة الشرفاء، ومن بينهم أصدقاء اعزاء، إلى ما يشبه "ديلر" المخدرات، وإن ظل فارق الشرف يصب في صالح الأخير أكثر، فالمخدرات هي السلعة الوحيدة التي لم يرتفع سعرها في مصر، بعد تحرير سعر الصرف!
أسوأ ما في أزمة الدواء التي نعاني منها اليوم، وربما تستمر معاناتنا معها غدا أو بعد غد، أنها أخرجت أسوأ ما في هذا القطاع، وكشفت عن الوجوه الحقيقية، لمافيا صناعة واستيراد الدواء في مصر، وكثير منهم يحتلون اليوم مقاعد سلطة، ويهمنون على صناعة قرار في حكومة، لم تفق رغم اشتعال الآزمة وتجاوزها لمؤشرات الخطر، ولعلها تدرك بعد فوات الآوان، أنها سوف تدفع ثمنا غاليا لتراخيها في شأن جوهري، يتعلق على نحو مباشر بصحة الغالبية العظمي من المصريين، هؤلاء الذين تعتصرهم نيران الغلاء وانفجار الأسعار، على نحو لم تشهده البلاد على امتداد تاريخها الحديث.
مع على مدار الأسبوع الماضي، مررت على معظم صيدليات وسط القاهرة، في وقت انتشر فيه باقي أفراد العائلة والعديد من الأصدقاء، بحثا عن علبة دواء، خاصة بمرض الارتجاف الأذيني، الذي تعاني منه والدتي منذ نحو عامين، قبل أن تلقي بي الأقدار إلى صيدلية صغيرة في حي عابدين، قال لي صاحبها بلهجة واثقة أن الدواء موجود، وأن باستطاعته أن يدبر لى علبة بعد ساعات، ولكن بالسعر الجديد للأدوية المستوردة، الذي قررت مافيا الأدوية أن تمرره رغما عن أنف الحكومة، والذي يساوي ضعف السعر القديم، بعد تحرير سعر الصرف طبعا.
لم ينقطع هاتفي عن الرنين على مدار أيام، من أصدقاء بادروا للمساعدة والشكوى، من سوق سوداء للدواء في مصر، رفعت أسعار كثير من الادوية الخاصة بالحالات الحرجة، الى ما يقرب من خمسة أضعاف سعرها الرسمي، بينما لا يزال السيد وزير الصحة، يصر منذ ما يزيد على عشرة أيام، أن شركات الأدوية لن تلوي ذراع الحكومة، وأن الأزمة في طريقها للحل!.
قبل أيام قرر رئيس الوزراء تشكيل لجنة، تضم وزراء الصحة والصناعة والمالية وقطاع الأعمال، لبحث "تداعيات تحرير سعر الصرف على قطاع الدواء"، وهو قرار يبدو مثيرا للسخرية، ليس فقط لأنه يأتي متأخرا عن قرار البنك المركزي، وما كان يتعين على الحكومة أن تتخذه من إجراءات للتعامل مع تداعياته، على قطاعات مهمة وخطيرة وفى مقدمتها القطاع الصحي، ولكن لأن الأمر يتطلب تدخلا حقيقيا وجادا من الدولة، بالفعالية والسرعة المطلوبة، لإقرار نظام حقيقي للتأمين الصحي، يقضي على أزمة الدواء التي تعاني منها حاليا، والمؤهلة للانفجار أكثر خلال الفترة المقبلة، بعدما تركت الدولة مواطنيها فريسة في يد مافيا شركات الادوية.
لا بديل في مصر عن نظام تأمين صحي حقيقي، يقدم خدمة صحية معتبرة لكل الذين تشملهم مظلته، بدء من الفحص الطبي وليس انتهاء بصرف الادوية اللازمة، التي ستقوم الشركات بتوريدها للمستشفيات التابعة للتأمين الصحي، دون حاجة لانفاق الملايين على الدعاية والاعلان عن منتجاتها، وهو ما يحقق مكاسب حقيقية لكافة اطراف المعادلة، المواطن بتلقي خدمة رعاية صحية حقيقية، بعيدا عن فوضى سوق الدواء والخدمة الصحية الخاصة، والشركات بتحقيق الهدف الرئيس من انشائها وهو الربح، ولكن في حدود مقبولة، والدولة في النهاية، بتحسين صورتها الاعتبارية أمام مواطنيها، بعد تطبيق نظام حقيقى وفعال للتأمين الصحى، يقول صديقنا الدكتور احمد يوسف أن دولا عدة سبقتنا اليه منذ عقود، مثل اثيوبيا والصومال والهند!.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق